الغزالي
83
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
إلا بزمن متقدم عليه وهي النقلة الشتوية فإنها باردة رطبة تنزل فيها الأمطار وتسخن في الأرض وتختمر بها فهي كحال البداية للإنسان . فلو أن اللّه تعالى يخرج الخلق من الشتاء إلى الصيف بغير فصل الربيع لهلكوا عن آخرهم ، فإن الأبدان والنباتات استولى عليها البرد والرطوبة والنقلة الصيفية الغالب عليها المستولى فيها الحر واليبس . فلو خرجوا من البرد المفرط إلى الحر المفرط ومن الضد الذي هو الرطوبة إلى المضاد له وهو اليبس لكانت الهلكة . لكن اللّه تعالى لحكمته فصل يفصل فيه تناسب الفصلين معا فأوله بالبرودة وآخره بالحرارة على تدريج خفي لا تحس به الأجسام إلا بعد انقضائه ، وذلك بمر الشمس على الثمان والعشرين منزلة في المنطقة الوسطى التي تجري فيها الكواكب فلها مشرقان وهما منتهى تحركها في الأفق الشرقي ، في الطرفين ، فإذا انتهت نهايتها فيكون الجنوب في الآخر ويكون الشتاء بذلك الأفق الأضعف . فحينئذ شعاعها في المواضع يجذب البلة وتتصاعد به أبخرة البحار ، وينعكس الحر في بطن الأرض ، ويسقط ورق الثمار لأن الماء ينجذب من أعاليها إلى أسفلها من حيث إن الأبخرة الحارة ينفيها البرد من أعلى الأرض فتطلب المركز ، فإذا استحرت الأرض استدعت الرطوبات فجذبت ما في النباتات ، فإذا زالت الرطوبات من الأوراق والأغصان غلب عليها اليبس فتكمشت وتساقطت ويكون الطرف الثاني ، ثم إذا غلب عليه الحر واليبس فيكون القيظ كيفما انجذبت الشمس على تدريج لأنها تقيم في كل برج شهرا وتقطع في كل يوم من البرج درجة والدرجة لا تحس وهي تسير ، فكلما انجذبت زاد حرها وفي ازدياد حرها تسخن الأرض وتتحلل الرطوبات وتسخن أغصان الأشجار من فوق ، فإذا استحر الغصن استدعى الماء وطلب رطوبة الجزء الذي تحته ويستدعيه الذي تحته من الذي تحته حتى يقع الاستدعاء من قاع الشجرة ، وتستدعيه الشجرة من الأرض الأرض بعضها من بعض ، فإذا حصل الماء في العود أذابته الشمس وجرى في العود بطبخها وبما تستمد من لطيف الماء ولطيف التراب يحيله الشمس ثمرة ، ثم تخرج ما في طبع ذلك العود من الثمرة بإذن اللّه تعالى . والشكل يخرج بطبعه الذي ركبه فيه الفاطر العليم بواسطة حر الشمس في إقبالها وإدبارها ودخول الحر في الأرض عند إقبالها وإدبارها حسب ما تمر في البروج ، فالشمس جعلها البارئ سبحانه سبب الحرث والنسل وهي علة النباتات والحيوانات والمعادن ، إذ سبب المعادن أبخرة تحتقن في الأرض فيكون منها أدخنة كبريتية ، فيمر عليها نشع الماء في الأرض فتعقده وهذا مبرهن عند المشتغلين بعلوم التحليل والكيمياء ، فإنهم زعموا أن الزئبق ينعقد بإشمام رائحة الكبريت وإمداده من خارج بأن يذاب ويطرح عليه أو يغلى ويترك فيه . ثم عند اجتماع الماء والكبريت تكون مادة الجوهر في الأرض ، إما باعتدال امتزاج وصبغ فيكون منه الذهب . أو بإفراط فيكون منه النحاس ، أو بتقصير خفيف فتكون منه الفضة . هذه الحركة الشمسية متعلقة بالحركة الشرقية ، ومثال ذلك الرحى مع قطبها ، فإن القطب يقطع شبرا في شبر